تحليل المواقف الصهيونية من الوثيقة

 

 

المشهد الأول: جنيف.. خطط إسرائيلية لكسب الوقت

المشهد الثاني:  من وثيقة جنيف إلي خطة حزب العمل

المشهد الثالث: المشهد الإعلام الاسرائيلي

المشهد الرابع:المعارضة الإسرائيلية للاتفاق

المشهد الخامس:جنيف والتشظي الإسرائيلي

المشهد السادس:شهادة يوسي بيلين

المشهد السابع: شهادة متسناع

المشهد الثامن:  يورام كانيوك  : شهادة  الكاتب

المشهد التاسع: شهادة  آري شبيط

المشهد العاشر: شهادة الكاتب إيلان بابي

المشهد الحادي عشر :شهادة  الكاتب دفيد نافون 

المشهد الثاني عشر : شهادة الكاتب يوسي فيرتز   

المشهد الثالث عشر  الوف بن: شهادة الكاتب

المشهد الرابع عشر: تصريحات وتعليقات

 

 

المشهد الاول : جنيف  .. خطط إسرائيلية لكسب الوقت

بعد حالة موات إكلينيكي لمفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية عاد النبض إلى خطط السلام عبر عدد من التحركات واللقاءات والمبادرات المفترض أن تصب مجملا في التوصل لاتفاق أو تفاهم أو هدنة توقف حمام الدم الفلسطيني والصهيوني الذي ينزف منذ خرق آخر هدنة في يونيو الماضي 2003.

التحركات (غير الرسمية) لاستكشاف فرص إحياء عملية السلام‏ تضمنت لقاءات بين شخصيات فلسطينية رسمية (وزراء) وغير رسمية مع أطراف إسرائيلية مشابهة في عدة عواصم أوربية، أبرزها لقاءات لندن ومدريد وأثينا، وواكبها إعلان حزب العمل الإسرائيلي الخطوط الكبرى لخطته للسلام القائمة على إنشاء دولة فلسطينية وانسحاب منقوص لقوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ حرب يونيو 1967.

واللافت أنه بينما تجري هذه التحركات الثنائية وبدعم ومساندة من أطراف دولية خصوصا لندن وواشنطن تجري بالتوازي معها لقاءات ومبادرات فلسطينية وإسرائيلية داخلية مستقلة تصب في الخانة ذاتها؛ وهي السعي لإبرام أي اتفاق لوقف القتال والعمليات.

فعلى الجانب الفلسطيني سوف تبدأ الخميس 4 ديسمبر 2003 جولة جديدة من الحوارات بين 13 من الفصائل الفلسطينية بالقاهرة هي في حقيقتها مفاوضات بين السلطة الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد من أجل الاتفاق على هدنة جديدة لوقف العمليات باتت شروطها واضحة، وتتلخص في وقف العمليات مقابل وقف الاغتيالات والاقتحامات الإسرائيلية وسط أنباء غير رسمية عن قبول الطرفين هذه المرة لهذه المعادلة، خصوصا الجانب الإسرائيلي بعدما أدى عدم التزامه بشروط الهدنة السابقة لخرقها وانهيارها

أما على الجانب الإسرائيلي فالتحركات واكبتها "لعبة" سياسية جديدة، يسعى شارون للاستفادة من ورائها في تخفيف حدة الضغوط الداخلية عليه بسبب اتهامات الفساد الموجهة له مع ابنه، وتأثير العمليات الفلسطينية على الاقتصاد الإسرائيلي الذي تعرض لضربات عنيفة أدت لتقليص الميزانية الإسرائيلية.

وإعلان رئيس الوزراء شارون نيته الانسحاب من مناطق فلسطينية ولو في تصرف منفرد جاءت بعدما بدأت استطلاعات الرأي تشير إلى تناقص شعبيته، وواكبها إعلان حزب العمل خطته الجديدة/القديمة للسلام، وكأن هناك اتفاقا بين الاثنين على العودة لتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة؛ بحيث يتنازل شارون عن التواجد في غزة مثلا، ويخلي مستوطنات بعيدة كنوع من التنازل أمام استطلاعات الرأي الإسرائيلية الغاضبة على تدهور الأحوال، ولإرضاء واشنطن أيضا الغاضبة من مخاطر الجدار العازل على السلام؛ بحيث يحل حزب العمل محل الأحزاب الدينية التي سوف تنسحب لا محالة من حكومة شارون إذا قدم أي تنازلات!

وقد أشار إلى هذا الكاتب الإسرائيلي "ناحوم برنييع" في صحيفة يديعوت أحرونوت 29 نوفمبر 2003 بقوله: "إن الحديث عن إخلاء المستوطنات في غزة بمثابة حبة المهدئ التي يتناولها الليكود ومراوحته مكانه كلما هددته الاستطلاعات بانتزاع السلطة منه"!!

 

وقال -نقلا عن أحد قادة الليكود-: إن شارون لا يواجه أي مشكلة في إنقاذ نفسه، وفي اللحظة التي يعلن فيها عن إخلاء "نتساريم" أو إخلاء مستوطنات معزولة في الضفة الغربية ستعود إليه المبادرة والقيادة، فإذا استقالت أحزاب "هئيحود هلؤومي" و"المفدال" من الحكومة سيحل حزب "العمل" مكانهما خلال يوم واحد، وستؤيد غالبية ساحقة من الشعب هذه الخطوة، وسيسير غالبية أعضاء الليكود في أعقابه!

فالركود الاقتصادي والتحقيقات وقضايا ابن شارون (عومري) ستختفي جميعها دون أن تترك أي أثر، ويمكن لشارون عندها أن ينهي فترة ولايته بارتياح، وإذا أراد يمكنه ترشيح نفسه والفوز بولاية ثالثة!

كل الطرق لصالح شارون

 

والمشكلة أن كل هذه التحركات سواء على المستوى الفلسطيني أو الإسرائيلي الداخلي أو على المستوى الثنائي تصب في نهاية الأمر في خدمة مصلحة شارون في أن تستقر حكومته وتستمر ويستمر معها مخططه للتهويد والاستيطان.

 

فالهدنة الفلسطينية التي يجري الترتيب لها بهمة هذه المرة سوف تساعد شارون في الظهور بمظهر المنتصر، وتعطيه فرصة للتفرغ للبنانيين والسوريين، وعودة حزب العمل إلى حظيرة الليكود ستبعد عن شارون صراخ اليسار الإسرائيلي ومعارضته لخططته السياسية والاقتصادية وأي تنازلات شكلية.

 

أما لو استؤنفت المفاوضات وفق خطط اتفاق جنيف (الذي قبله الفلسطينيون ويرفضه شارون) على أسوأ الفروض؛ فسوف تكسب الدولة العبرية أيضا -وبشكل شرعي وموافقة فلسطينية- مسألتي عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، وبقاء أغلب الأحياء العربية في القدس الشرقية بما فيها حائط البراق في يدها!!

 

وباختصار: ما لم يكن الهدف هو التسوية النهائية وليس مجرد هدنة فستكون كل هذه التحركات مجرد تحركات لكسب الوقت لحين اكتمال الجدار الواقي الإسرائيلي، واستمرار تنفيذ باقي الخطط الإسرائيلية في الاستيطان وربما -كما ذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الجمعة 28-11-2003- ضم شارون (كإجراء منفرد هدد به) بعض القطاعات التي تضم تجمعات استيطانية في الضفة الغربية مقابل إجلاء مستوطنات معزولة في قطاع غزة تمثل حمايتها مشكلة لإسرائيل، ولا يصر على الإبقاء عليها سوى اليمين المتطرف.

 

وربما لهذا سعت الحكومة الفلسطينية للتنصل رسميا من هذه المفاوضات التي تجري بين وزراء لديها ومسئولين صهاينة خاصة مع تصاعد غضب الشارع الفلسطيني واتهامه الفلسطينيين المشاركين في هذه الحوارات بأنهم خونة، وقالت: إنها لقاءات تعقد "بصفة شخصية"، كما أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع أنه لن يلتقي شارون "إلا حين يكون هناك استعداد إيجابي لبحث القضايا المهمة وبغير ذلك نحن غير ملزمين باللقاء".

 

بعبارة أخرى: أدرك الجانب الفلسطيني أو ربما اكتشف (من اللقاءات والحوارات الأخيرة) أن هناك رغبة إسرائيلية كبرى في التوصل لهدنة بعدما استنفد شارون كل أسلحته، ولم يبق له سوى خراب الاقتصاد والتدهور المالي، ولذلك بدأ الحديث بصوت مسموع -على لسان قريع- عن أنه لن يتم إعطاء الصهاينة شيئا بلا مقابل في المفاوضات، بل وتشدد قريع على غير المتوقع في لقائه مع شارون، وقال: إنه بدون إعداد وتحضير ومقابل لن يقبل اللقاء مع شارون، مشيرا بوضوح لضرورة وقف بناء الجار العازل!

 

أيضا أعلن وزير الخارجية المصري أحمد ماهر أن الحوار الفلسطيني الفلسطيني الذي يُعقد في القاهرة لن يقدم هدنة "مجانية" لإسرائيل؛ بمعنى أنه يجب ألا يكون هناك شيء مجاني؛ فكل شيء يقابله شيء!!

 

مخاطر الحوارات!!

 

ومن الواضح أن كم الحوارات الضخم الذي بدأ مؤخرا ومن قبل ذلك بين الرسميين الفلسطينيين والإسرائيليين قد أضاء الضوء الأحمر لدى قوى المقاومة الفلسطينية التي عارضت بقوة هذه التنازلات المؤلمة في اتفاق جنيف من الجانب الفلسطيني في اثنين من أخطر الثوابت الفلسطينية المتعلقة بحق العودة والقدس، كما لفتت أنظار القيادة الفلسطينية إلى أهمية استخدام عنصر "المساومة" في التفاوض، وربط الهدنة الفلسطينية بتنازلات إسرائيلية حقيقية.

 

صحيح أن العديد من القوى الفلسطينية -خصوصا حماس والجهاد- طالبت بأن يتمتع الحوار الفلسطيني المقبل في القاهرة ببعد إستراتيجي دون التوقف عند حدود التكتيك، ولكن الصحيح أيضا أن هناك واقعا فرضه الاحتلال ربما لن يرفع سقف التوقعات المرتقبة من الصهاينة سوى لمستوى وقف الاغتيالات والاقتحامات دون التحرك لمستويات كبرى نحو الحل الشامل.

 

وكان مسئولون إسرائيليون وفلسطينيون قد اجتمعوا الأسبوع الماضي في لندن لإجراء مفاوضات سياسية تحت رعاية الحكومة البريطانية، كما شهدت العاصمة الأسبانية مدريد لقاءات فلسطينية إسرائيلية غير رسمية على هامش المشاركة في ندوة دولية تُعقد تحت شعار حل دولي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي‏، وبموازاة ذلك عقد لقاء ثالث في أثينا باليونان، كما أعلن عن لقاء آخر بين وزيري خارجية مصر وإسرائيل على هامش اجتماعات وزراء خارجية عملية برشلونة للتعاون الأوربي المتوسطي التي تُعقد في نابولي في الثاني والثالث من ديسمبر الجاري.

 

واللافت في كل هذه اللقاءات أن الطرف الإسرائيلي حرص على تأكيد أنها لقاءات هدفها "أكاديمي"، وأن الأطراف الأوربية عقدتها لمجرد معرفة مواقف الطرفين، على حين خرجت الأطراف الفلسطينية تتحدث عن مفاوضات ولقاءات وسعي إسرائيلي للحوار!!

 

 

 

وثيقة جنيف.. تنازلات بالجملة

 

والشيء الوحيد الذي دار حوله تفاوض إستراتيجي كان وثيقة جنيف التي جرى التوقيع عليها بواسطة بعضٍ (غير رسميين) من الطرفين، وجاءت بنودها صدمة للشارع الفلسطيني والمقاومة؛ لأنها أعطت تنازلات خطيرة بالجملة في القدس واللاجئين.

 

صحيح أنها أعادت من جديد إحياء معسكر السلام الإسرائيلي وحزب العمل الذي بدأ يعبر عن رأيه، ويطالب بضرورة الحل لتحقيق الأمن للمواطن الإسرائيلي الذي فشل شارون في تحقيقه بعد أن وعد به عند بداية حكمه وفى دعواه الانتخابية، كما أنها جذبت قبول الولايات المتحدة لها، وهي في حد ذاتها إشارة واضحة إلى شارون؛ مفادها أنه إذا لم يعمل لإحلال السلام فإن هناك بدائل أخرى يمكن اللجوء إليها مثل هذه الوثيقة.

 

ولكن الصحيح أيضا أن الوثيقة لا تحظى بقبول السلطة الفلسطينية صاحبة الشأن في التفاوض؛ لأنها سبق أن رفضت شروطا أفضل من جنيف للحل، كما يصعب عليها قبول ما في هذه الوثيقة تحديدا؛ لأنها تنص على تخلي الفلسطينيين عن حق عودة اللاجئين، وتقول بتقاسم السيادة على المدينة القديمة في القدس، وأن يحصل الفلسطينيون على 97.5% من أراضي الضفة الغربية فقط وليس 100%.

 

ورغم ذلك يرى محللون أن ما سبق أن رفضته السلطة قد تقبل بأقل منه في الظرف الحالي بسبب تغير الأحوال للأسوأ في ظل حكم شارون وإعادة احتلال كافة المدن الفلسطينية ذات الحكم الذاتي، ويدللون على ذلك بقول المندوب الفلسطيني الجديد في جنيف "أنيس القاق": إن السلطة الفلسطينية قد تتبنى مبادرة جنيف، وقوله: "لا يمكننا تبني هذه الخطة رسميا؛ لأنها لم تكن خاضعة لمفاوضات بين ممثلين رسميين، لكننا قد نتبناها في حال ما إذا فعلت ذلك إسرائيل واللجنة الرباعية أو الولايات المتحدة"!!

 

واللافت هنا أن هناك شبه إجماع من الجانب الإسرائيلي والفلسطيني (غير الرسمي) على بنود الاتفاق مع الفلسطينيين، حتى إن خطة حزب العمل التي طرحها تعتبر قريبة من مبادرة جنيف التي ساهم في طرحها في أكتوبر 2003 من الجانب الإسرائيلي المسئول السابق في حزب العمل يوسي بيلين، ومن الجانب الفلسطيني المسئول السابق ياسر عبد ربه، كما أنها قريبة أيضا من خطة سلام أطلقها عامي أيالون الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي شين بيت من 1996 إلى 2000، والأستاذ الجامعي الفلسطيني سري نسيبة.

 

 

 

المشهد الثاني  :  من وثيقة جنيف إلي خطة حزب العمل

 

فجأة باتت ساحة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتحديدا علي المسار الفلسطيني تشهد مشروعات للتسوية النهائية‏,‏ وخططا للحل وبدا الموضوع وكأنه أقرب إلي مزاد حرصت كل القوي السياسية الاسرائيلية حتي المعروف عنها عداؤها لفكرة التسوية في ذاتها‏,‏ علي أن تطرح مشروعا خاصا بها‏.‏ وفي غضون فترة قصيرة باتت مشروعات عدة مطروحة علي الساحة منها وثيقة جنيف‏,‏ ووثيقة آيالون‏-‏ نسيبة‏,‏ ثم خطة الحكومة الاسرائيلية المنسوبة إلي رئيسها شارون‏,‏ ومن بعدها تحرك حزب العمل وطرح خطة للتسوية وضعها أحد رموز الاعتدال في الحزب وهو الوزير السابق حاييم رامون‏.‏

وبعد أن كانت الساحة تعاني غياب الخطط المعدة من قبل الأطراف المعنية‏,‏ باتت المعاناة من كثرة الخطط وتنافسها‏,‏ فقبل الإعلان عن وثيقة جنيف‏,‏ كانت الخطة الوحيدة هي الخطة الأمريكية‏-‏ عمليا‏-‏ الدولة‏-‏ اسما‏-‏ والمعروفة باسم خريطة الطريق‏.‏ وكانت المشكلة الجوهرية في عدم البدء في تطبيق خريطة الطريق تتمثل في غياب الشريك الإسرائيلي الذي يمكن أن ينفذ ما عليه من التزامات واردة في مراحل الخريطة الثلاث‏,‏ وتحديدا الأولي منها التي تخص سحب قوات الاحتلال إلي مواقع ما قبل اندلاع الانتفاضة ووقف جميع عمليات الاستيطان في الأراضي المحتلة‏,‏ ومجموعة إجراءات تخص تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني‏.‏ وبدلا من السير في خطوات تنفيذ الخريطة‏,‏ سارت حكومة شارون في بناء جدار فاصل حددت مساره بشكل منفرد فتوغل في عمق الضفة الغربية وخلف إلي الغرب منه‏,‏ أي علي الجانب الاسرائيلي‏,‏ مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية تقترب عند انتهاء البناء وفق التصور الشاروني من‏20%‏ من مساحة الضفة الغربية‏.‏

 

في المقابل كان واضحا أن الادارة الأمريكية وبعيدا عن التصريحات التي تصدر عن الرئيس ومعاونيه‏,‏ كانت مع كل ما تقوم به حكومة شارون من إجراءات تستهدف تحصين الأمن‏,‏ فهذه الادارة أقرت لحكومة شارون بالحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة ما تراه من تهديدات وتحديات‏,‏ سواء تمثل ذلك عمليا في أعمال المقاومة التي يلجأ إليها الشعب الفلسطيني‏,‏ أو ما تراه من دور لقوي إقليمية معادية‏,‏ ومن هنا قدمت الادارة الأمريكية كل أنواع الدعم والمساندة لأعمال الارهاب التي تقوم بها قوات الاحتلال من ناحية‏,‏ وأيضا لأعمال إرهاب الدولة وممارسات حماقة القوة واستعراض العضلات إقليميا علي النحو الذي تجلي في الغارة التي شنتها طائرات إسرائيلية علي عين الصاحب قرب العاصمة السورية دمشق‏.‏

وعلي الرغم من كل الاجراءات التي لجأت إليها الحكومة الإسرائيلية‏,‏ فقد فشلت في تحقيق ما وعدت به الرأي العام الاسرائيلي‏,‏ فإحساس المواطن الاسرائيلي بالأمن لم يتحقق علي النحو الذي انعكس بوضوح في استطلاعات الرأي العام الاسرائيلي في الشهور القليلة الماضية‏,‏ كما بدأت شعبية شارون في التدهور‏.‏ أكثر من ذلك تغيرت بالفعل صورة إسرائيل لدي الرأي العام العالمي‏,‏ وتحولت إسرائيل من دولة ديمقراطية صغيرة ساعية إلي السلام وسط محيط من العداء العربي إلي دولة احتلال تقليدي مسلحة بكل أسلحة الدمار الشامل‏,‏ تمارس أبشع أساليب التمييز والعنصرية ضد شعب أعزل يمارس حقه الطبيعي في مقاومة الاحتلال ويسعي إلي الحصول علي حقوقه المشروعة بموجب القوانين الدولية‏.‏ دولة تمارس العدوان العسكري علي دول مجاورة كنوع من الرد اللاعقلاني علي ماتواجهه من أزمات ومشاكل داخلية‏.‏

 

وقد تجسدت ملامح الأزمة في زيادة مظاهر الانقسام الداخلي علي النحو الذي تبدي في ظاهرة رفض الخدمة العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة‏,‏ وفي ظاهرة الطيارين رافضي تنفيذ الغارات الجوية علي المناطق السكنية في المدن الفلسطينية‏,‏ وهي الغارات التي أجبرت الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان علي الخروج عن صمته المعتاد تجاه ما يرتكب علي أرض فلسطين من جرائم‏,‏ فوصف الرجل ما ترتكبه قوات الاحتلال بأنه جرائم حرب وانتهاك للقانون الانساني الدولي‏.‏ وكان التطور الأبرز هنا ما جاء في استطلاع الرأي العام الذي أجري في بلدان الاتحاد الأوروبي حول الدول التي تمثل خطرا علي السلام العالمي‏,‏ حيث اختاروا إسرائيل في المركز الأول‏,‏ تليها الولايات المتحدة في المركز الثاني‏.‏ وعلي الرغم من محاولات التهدئة والطمأنة التي قامت بها الرئاسة الايطالية‏,‏ وجهود التنصل من النتائج التي بذلتها المفوضية الأوروبية‏,‏ فقد وصلت الرسالة إلي القوي السياسية الاسرائيلية ومؤداها أن مواطني دول الاتحاد الأوروبي يرون إسرائيل دولة خارجة علي الشرعية الدولية‏,‏ دولة معتدية‏,‏ سلوكها غير منضبط علي النحو الذي بات يشكل الخطر الأول علي السلام العالمي‏.‏

أدركت القوي الاسرائيلية المختلفة أن إسرائيل تواجه مأزقا غير مسبوق‏,‏ وأن سلاح معاداة السامية الذي كان إشهاره كفيلا بإيقاع حالة الرعب في قلوب المستهدفين‏,‏ هذا السلاح أصابه العطب‏,‏ أو قل إن الرأي العام في الدول الغربية وتحديدا الأوروبية‏,‏ قد أصابه الملل من الافراط في استخدامه‏.‏

 

من هنا يمكن القول إن حالة الأزمة التي وجدت فيها إسرائيل نتيجة سياسات العربدة‏,‏ والتي ارتبطت لدي الرأي العام الأوروبي بالعربدة الأمريكية‏,‏ قد دفعت القوي السياسية المختلفة إلي البحث عن مخرج‏,‏ وجاءت مشروعات الحل والتسوية النهائية في سياق البحث عن المخرج‏.‏ ويستثني من هذه المشروعات تلك التي صدرت عن جهات غير رسمية وتحديدا وثيقة جنيف‏,‏ ومبادرة أيالون‏-‏ نسيبة‏,‏ فالأفكار الواردة في هذين المشروعين تشكل بالفعل أساسا قويا لتسوية سياسية حقيقية وإن كنا نلاحظ غلبة الاعتبارات الشخصية والحسابات السياسية وراء مبادرة آيالون‏-‏ نسيبة‏,‏ فلن تضيف هذه المبادرة كثيرا لما جاء في وثيقة جنيف‏,‏ وبما أن الوثيقة الأخيرة قد تناولت قضايا التسوية علي نحو تفصيلي ووفق رؤية واضحة‏,‏ فإن المصلحة كانت تقتضي عدم طرح هذه المبادرة أو الانضمام إلي وثيقة جنيف‏.‏

أما الخطة التي أعلن عنها شارون‏,‏ فلا تعدو أن تكون محاولة للتحرر من الضغوط والهروب من المأزق الداخلي والخارجي الذي تواجهه هذه الحكومة‏,‏ فشارون ليس برجل السلام الذي يمكن أن يدخل في تسوية سياسية حقيقية وفق مبدأ الأرض مقابل السلام‏,‏ أو يتوصل إلي اتفاق ينهض علي حدود ما قبل عدوان الخامس من يونيو‏1967,‏ كما أن الأسس التي ينهض عليها ائتلافه الحكومي لاتوفر له فرصة لمجرد التهدئة أو تهيئة الأجواء للدخول في مفاوضات‏,‏ فمجرد أن يعلن شارون التزامه بتجميد الاستيطان‏,‏ سيكون كفيلا بتفكك الحكومة وخروج الأحزاب اليمينية الصغيرة‏.‏

 

أما فيما يخص خطة حزب العمل والتي تقدم بها حاييم رامون إلي المكتب السياسي للحزب‏,‏ فلا تعدو أن تكون محاولة من الحزب لدخول ساحة الجدل العام مجددا بعد أن فقد الحزب مقومات القدرة وتمزقت قاعدته الانتخابية علي يد باراك‏,‏ وبن اليعازر ثم بيريز‏,‏ فمبادئ الحزب الحقيقية يعبر عنها حاليا عمرام متسناع ويوسي بيلين اللذان قادا الفريق الإسرائيلي الذي توصل إلي وثيقة جنيف‏.‏

ويبدو واضحا الآن أن حكومة شارون تعاني بالفعل مأزقا شديدا نتيجة العجز عن توفير الأمن من ناحية وعدم القدرة علي وقف التدهور الداخلي من ناحية ثانية‏,‏ والفشل في تحسين صورة إسرائيل خارجيا من ناحية ثالثة‏,‏ وهذه الحكومة لا يمكن أن تكون شريك سلام حقيقيا للعرب‏,‏ أما حزب العمل حاليا فهو أضعف من أن يمثل قوة سياسية قادرة علي قيادة المعارضة‏,‏ ولن يتحقق للحزب أي تماسك في ظل هيمنة شخصيات ثبت فشلها مثل بيريز وبن اليعازر‏,‏ وإذا كان للحزب من دور فاعل فسوف يبدأ مع رحيل هذه القيادات وعودة من يعبرون عن مبادئه الحقيقية وتحديدا بيلين ومتسناع‏,‏ وهو أمر يصعب توقعه في الشهور القادمة‏.‏ وبالتالي إذا ما كان من دور لخطط التسوية المعروضة حاليا فإنها يمكن أن تكون تسريع عملية سقوط حكومة شارون‏,‏ ويبقي السؤال بعد ذلك عن ماهية القوة السياسية الإسرائيلية التي يمكنها أن تمثل البديل لليمين المتطرف؟      

 

 

  

المشهد الثالث : المشهد الاعلام الاسرائيلي

        

بعد ثلاثة ايام من المباحثات المكثفة في العقبة، ونحو عامين ونصف العام من المحادثات التي جرت سرًا في اوروبا ورام الله واسرائيل، اعلن اخيرا عن توصل سياسيين اسرائيليين وفلسطينيين ليس لهم صفة رسمية الى وثيقة سلمية اطلق عليها اسم "وثيقة سويسرا"، وهي مسودة اتفاق تضع ارضية مشتركة للحل النهائي للصراع الاسرائيلي - الفلسطيني، وفقما افادت مصادر صحافية اسرائلية مطلعة.

وذكرت صحيفة "هآرتس" (13/12/2003) ان الاتفاق الذي اشرف على المحادثات التي افضت للتوصل اليه كل من يوسي بيلين وياسر عبد ربه، ينطوي على تنازل فلسطيني مقيد او مشروط في قضيتين رئيسيتين من اعقد قضايا التسوية الدائمة، وهما حق العودة للاجئين الفلسطينيين والسيادة على الحرم القدسي الشريف.

واشارت هذه المصادر الى انه تم الاتفاق حول هذين البندين قبل بضعة اسابيع. واضافت ان عرّابَي الاتفاق، يوسي بيلين وياسر عبد ربه، توجها فور انتهاء المحادثات في الاردن الى القاهرة، حيث من المنتظر ان يجتمعا مع الرئيس المصري حسني مبارك ليطلعاه على وثيقة الاتفاق. وقالت الصحيفة ان الشخصيات التي تقف وراء المبادرة تعتزم خلال الاسابيع المقبلة اطلاق حملة لترويج الاتفاق في اوساط الجمهور الاسرائيلي والجمهور الفلسطيني، اضافة الى عرضه على صانعي السياسة في الجانبين.

وفي اسرائيل حملت اوساط اليمين الحاكم بشدة على المبادرة واصفة اياها بأنها "ترَّهات" و"اضعاث واحلام". وذهب مسؤولون في الحكومة الاسرائيلية الى حد تشبيه اتفاق بيلين – عبد ربه بـ "اتفاق ميونخ" الذي وقع في العام 1938 بين زعماء بريطانيا وفرنسا والمانيا النازية. وكرر رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون شجبه للمبادرة وقال انها "تضر بالقدرة على تحقيق تقدم في مفاوضات جوهرية جادة للتوصل الى اتفاق سلام في المستقبل".

وقالت صحيفة "هآرتس" ان مهندسي وثيقة التفاهم الاسرائيليين والفلسطينيين وقّعوا ايضا على رسالة تعهد سيتم تسليمها لوزيرة خارجية سويسرا التي رعت المحادثات بين الجانبين، وذلك الى حين التوقيع على الاتفاق في مراسم علنية احتفالية ستقام خلال الاسابيع المقبلة، واشارت الى ان احد التواريخ المقترحة لتنظيم حفل التوقيع هو الرابع  من شهر تشرين الثاني المقبل، وهو اليوم الذي تحل فيه الذكرى السنوية الثامنة لاغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي  الراحل اسحق رابين.

وحضر حفل اختتام المحادثات الذي اقيم يوم الأحد الماضي في منتجع منعزل على شاطئ البحر الميت، كل من يوسي بيلين واعضاء الكنيست حاييم اورون (ميرتس) وعمرام متسناع وابراهام بورغ (من حزب "العمل") والنائبة السابقة عن حزب الليكود، نحاما رونين، والميجر جنرال (احتياط) غيورا عنبار والكاتب عاموس عوز، من الجانب الاسرائيلي، فيما حضره من الجانب الفلسطيني ا الوزراء السابقون في الحكومة الفلسطينية ياسر عبد ربه ونبيل قسيس وهشام عبد الرازق والنائبان في المجلس التشريعي قدورة فارس ومحمد حوراني.

ووصف ياسر عبد ربه في كلمة افتتاح الحفل على شاطئ البحر الميت، مسودة الاتفاق بأنها "بداية عهد جديد" مشيرًا الى ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء السابق محمود عباس (ابومازن) والحالي احمد قريع (ابو العلاء) اعلنوا في مكالمة هاتفية مباركتهم للاتفاق. وقال الزعيم السابق لحزب "العمل" عمرام متسناع ان " معسكر السلام اصبح يمتلك الان اجندة.. لقد انهينا المرحلة السهلة والان وصلنا الى المرحلة الصعبة، وهي العودة الى البلاد وطرق باب كل بيت في سبيل اقناع الجمهور".

وقال يوسي بيلين، في تصريحات رد بها على منتقدي الاتفاق من محافل اليمين الاسرائيلي الحاكم: "اعلم مسبقا بأنهم سيقولون إن هذا الاتفاق اتفاق سيء، وأننا رضخنا واعطينا كل شيء.. لكنهم لم يستطيعوا القول بعد الآن بأنه لا يوجد شريك للسلام".

وقد اثار التوقيع على مسودة الاتفاق موجه من الغضب الشديد في الحكومة الاسرائيلية واحزاب اليمين المتطرف. وقال وزير الخارجية الاسرائيلي سيلفان شالوم في معرض تعليق له" انني لا اتوقع الكثير ممن كانوا مسؤولين عن اتفاقيات اوسلو التي ندفع ثمنها الباهظ حتى اليوم". واضاف: "هناك حكومة اسرائيلية هي المسؤولة عن التعامل مع هذه المواضيع، وكل ما عدا ذلك يعتبر وهميا".

وانضم العديد من وزراء  الحكومة واعضاء الائتلاف الى الاصوات المنتقدة لمسودة "اتفاق سويسرا"، الذي انتقدة ايضا رئيس الوزراء  العمالي السابق ايهود باراك. اما الرئيس الحالي لحزب "العمل" المعارض، شمعون بيرس فقد امتنع عن التعقيب على المبادرة. وقال متحدث باسم بيرس انه لن يعلق على الاتفاق ما لم يتضح محتواه.

 

"هآرتس": مناورة ذكية نجحت في اغضاب شارون

وكتب المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس" الوف بن في تعليق له على نفس الموضوع ان يوسي بيلين سجّل لنفسه انجازًا مزدوجًا.. فقد نجح في اعادة شيء من الاعتبار والاهمية لليسار الاسرائيلي، وعلى الاقل في وسائل الاعلام، كما نجح ايضا في اثارة غضب رئيس الوزراء ارئيل شارون، الذي تخلى عن هدوئه ليهاجم بشدة ما اعتبره "محاولات اليسار للاطاحة بالحكومة في وقت تعيش فيه البلاد حالة حرب".

واستطرد بن في تعليقه قائلا "ان الهدف الرئيسي الذي سعى له يوسي بيلين هو الاثبات بان هناك طرفاً يمكن التحادث معه في الجانب الفلسطيني وبالتالي دحض الادعاءات التي يرددها شارون، وسلفه في رئاسة الحكومة، ايهود باراك، ومفادها انه" لا يوجد شريك لنا في صنع السلام".

فمنذ فشل المفاوضات التي اجرتها حكومة باراك في "كامب ديفيد" وطابا، يسعى بيلين لاظهار ان هناك امكانية للتوصل الى تسوية، وان لدى الفلسطينيين استعداداً للمرونة وللتخلي، بشكل خاص، عن "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين والذي ينظر اليه في اسرائيل كوسيلة للقضاء على الدولة اليهودية.. غير ان وجهة نظر بيلين وطروحاته هذه قوبلت حتى اليوم بعدم اهتمام نظرا للاوضاع السائدة في الاراضي الفلسطينية واسرائيل. الآن تغيرت الاجواء العامة قليلا.. ان " اتفاق جنيف" او "اتفاق سويسرا" الذي توصل اليه بيلين وعمرام متسناع وابراهام بورغ مع زملائهم من الجانب الفلسطيني يشكل تعبيرًا آخر لصحوة معينة في احتجاج اليسار الذي خيم عليه الصمت في فترة حكومة الوحدة الوطنية.. فها هم الآلاف يشاركون في مظاهرة مؤيدة للانسحاب من الاراضي الفلسطينية، ومؤخراً جاءت رسالة الطيارين الرافضين للمشاركة في عمليات قصف احياء مدنية فلسطينية، والآن عاد الى الحلبة مهندسا اتفاق اوسلو، يوسي بيلين ورون فونداك، وفي جعبتهما وثيقة سلمية جديدة.

ويواجه رئيس  الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون بوادر معارضة لم يشعر بها منذ صعوده الى السلطة، وهو يدرك بان هذه هي البداية فقط، لهذا السبب عقب بلهجة حادة غير مألوفة على الانباء المتعلقة بوثيقة بيلين ورفاقه. وعلقت مصادر في مكتب رئيس الوزراء بقولها ان وثيقة اتفاق جنيف تضر بالجهود الاسرائيلية الرامية لعزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ولاجبار السلطة الفلسطينية على "مكافحة الارهاب" كشرط لأي مفاوضات سياسية بين الجانبين.

وتابع "بن" معتبرًا ان اتفاق سويسرا هو مناورة نظرية اكثر منه وثيقة سياسية، لا سيما وان واضعية لا يتمتعون اليوم باية صلاحية لتطبيقه. واستطرد مشيرًا الى ان الوثيقة لا تنص على تخل تام عن حق عودة اللاجئين وانما تكرر "الحلول" التي وردت في مقترحات الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون في هذا الخصوص ومؤداها السماح لعدد معين من اللاجئين بالعودة الى اسرائيل ولكن ليس في اطار "حق العودة" وانما ضمن صيغة مختلفة.

واشار "بن" الى ان رئيس حزب "العمل" شمعون بيرس، الذي كان في صورة المحادثات، رفض الانضمام الى وثيقة بيلين بسبب ذكرها لقرار الامم المتحدة رقم 194 والذي يعتبره الفلسطينيون اساسا لـ "حق العودة"، بينما يعتبره بيرس خطرًا على اسرائيل.

ويتضح من التفاصيل التي نشرت حول الوثيقة، ان معظم التنازلات جاءت من الجانب الاسرائيلي ولا سيما فيما يتعلق بمسألتي تعيين الحدود النهائية وتقسيم مدينة  القدس. ومقارنة مع المحادثات التي اجراها باراك فان "اتفاق جنيف" يذهب الى ابعد من ذلك في عدة نقاط، فهو يقضي بالتخلي عن مستوطنة "ارئيل" ونقل السيادة الفلسطينية على الحرم القدسي للفلسطينيين، والتخلي عن السيطرة الاسرائيلية في معابر الحدود مع الدولة الفلسطينية، وباعطاء دور لقوة دولية في القدس ومعابر الحدود، كما وينص الاتفاق على اعتبار "الخط الاخضر" كأساس لترسيم الحدود بين اسرائيل والدولة الفلسطينية، مع تبادل اراضي بنسبة واحد الى واحد.

ويرى "بن" في تحليله ان التنازل الرئيسي الذي قدمه الجانب الفلسطيني في وثيقة جنيف يتمثل بالاعتراف باسرائيل كدولة للشعب اليهودي، والموافقة على ضم مستوطنتي معالية ادوميم (الى الشرق من القدس المحتلة) وافرات (جنوب) الى اسرائيل، في نطاق الحل النهائي.

ويختم "بن" تعليقه بالقول: ان "اتفاق جنيف" يسعى لحل النزاع على اساس تقسيم البلاد الى دولتين، وبذلك فإنه يشبه رؤية الرئيس الاميركي جورج بوش و "خريطة الطريق"، لكن "اتفاق جنيف" وخلافا لهما، يتغاضى عن مسألة البنية السلطوية او هيكل الحكم في الدولة الفلسطينية ولا يسعى لفرض اجراء اصلاحات شاملة في السلطة الفلسطينية

 

 

 

 

المشهد الرابع :المعارضة الاسرائيلية للاتفاق

 

 وما يلفت الانتباه، أيضا، أن المعارضة الإسرائيلية لهذه الوثيقة لم تقتصر على القوى اليمينية (القومية والدينية) المعادية على طول الخط لعملية التسوية، التي تتأسّس على فكرة دولتين لشعبين، وإنما شملت قطاع واسعا من المحسوبين على اليسار الإسرائيلي والمؤيدين للتسوية، من شيمون بيريز إلى ايهود باراك مرورا ببنيامين بن اليعازر، ومعهم طيف واسع من السياسيين والمثقفين، لاعتبارات متباينة ومتفاوتة.

 

 

وإذا كانت آراء اليمين الإسرائيلي المعادي للتسوية معروفة، لدى المهتمين والمتابعين، باعتبارها كارثة على شعب إسرائيل وبمثابة بداية النهاية لدولة إسرائيل وللمشروع الصهيوني، فلعله من المفيد متابعة النقاش الإسرائيلي المتعلق بالوثيقة لرسم صورة واضحة عن طبيعة التصورات الإسرائيلية المتعلقة بالتسوية مع الفلسطينيين، من وجهة نظر التيار المركزي المؤيد لهذه العملية.

فهذا آري شبيط، مثلا، وهو كاتب محسوب على اليسار الإسرائيلي، يصبّ جام غضبه على منظمي الوثيقة الإسرائيليين، في مقال كتبه لصحيفة «هآرتس» جاء فيه: بعد اختيار نخبة السلام التوجه للدول العظمى من فوق رأس الحكومة الإسرائيلية المنتخبة، لم يعد مكان للتعاطف. ولا مفر من قول أمور واضحة حول المخاطر الكامنة في هذه الوثيقة..

 

الخطر الأول مبدئي: الوثيقة تعرض على الفلسطينيين أكثر مما عرض عليهم قبل شنهم لهجمتهم الإرهابية على إسرائيل..كأن الوثيقة قررت بأن الفلسطينيين انتصروا في الحرب..الخطر الثاني هو نظامي، لأن الوثيقة تنازلت عن مطلب إدخال إصلاحات في النظام الفلسطيني الحاكم..هذه الدولة (الفلسطينية) .

 

لن تلتزم بأي اتفاقية يتم التوصل إليها وستعمل على زعزعة أسس وأركان دولة إسرائيل.الخطر الثالث في النص. الوثيقة ترتكز على المقولة الواردة في القرار 19: اللاجئون الذين يرغبون في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم يستطيعون القيام بذلك في أقرب موعد عملي ممكن». معنى هذه العبارة نهاية دولة إسرائيل.

 

الوثيقة تحاول تغطية هذه العبارة من خلال عدة عبارات مضادة، إلا أنها ترفع من مستواها في نهاية المطاف وتحولها إلى فقرة تنفيذية. بذلك تضع الوثيقة تحت الدولة اليهودية برميل بارود من حيث المفهوم وتحدق وجودها ذاته بالخطر. الخطر الرابع أمني.

 

 

الوثيقة لا تتضمن ملحقا أمنيا، وهي تقترح نزع سلاح فارغ ليس من حق إسرائيل أن تكون وصية ومشرفة عليه..الخطر الخامس سياسي. الوثيقة تضع في مركز الواقع الجديد الذي ترسمه آلية دولية واسعة القوة، مكونة من دول الرباعية ودولة عربية واحدة على الأقل. مثل هذا الجهاز سيكون منحازا لصالح الفلسطينيين. ولكن صلاحية هذا الجهاز الدولي قوية ومهيمنة، إذ سيحدد عدد اللاجئين الذين سيعودون إلى إسرائيل ويحسم الأمور في القضايا الأمنية الوجودية.

 

 

لهذا سيفرغ الجهاز الدولي مبدأ السيادة الإسرائيلية من مضمونه. هل يعني ذلك أن اليمين محق؟ لا، ولا. حل الدولتين كان وما زال حلا وحيدا. الاحتلال يجب أن ينتهي والبلاد يجب أن تقسم. ولكن عملية الفصل بين التوأمين السياميين الإسرائيلي والفلسطيني يجب أن تتم بحذر وعقلانية.

 

 

إذا نفذت هذه العملية المصيرية بصورة عديمة المسئولية، وإذا نفذت بروحية مبادرة جنيف، فان التوأمين السياميين سينزفان معا حتى الموت على طاولة العمليات«. (هآرتس 4/12) أما الكاتب شلومو أفنيري فقد اتهم منظمي الوثيقة بالكذب على الجمهور الإسرائيلي، في عدة مجالات، في ما اعتبره المبادرون اعترافا من الفلسطينيين بدولة إسرائيل «كدولة للشعب اليهودي» أو تنازلا منهم عن حق العودة أو قبولهم ببقاء المستوطنات. يقول أفنيري:

 

 

الشعب اليهودي لم يذكر في الوثيقة. وما جاء فيها هو أن «الجانبين يعترفان بفلسطين وإسرائيل كدولتين لشعبيهما». من يشاء يستطيع أن يقول ان إسرائيل «دولة لكل مواطنيها» يهودا وعربا. ليس صدفة أن كلمة يهودي لم تظهر في الوثيقة. بين الموقعين الفلسطينيين على الوثيقة لا يوجد من يعتقد أن هناك شعبا يهوديا.

 

 

(ويتابع أفنيري) جاء في المبادرة أن قرار الأمم المتحدة رقم 194 وغيره من القرارات ستكون أساسا لحل مشكلة اللاجئين. صحيح أن القرار 194 لا يتحدث عن «حق» العودة - وانه يقرر فقط عودة اللاجئين إلى منازلهم إلا أن القرار 194 حسب الرؤية العربية يعتبر أساسا للشرعية الدولية التي يحظى بها حق العودة.

 

 

وعندما جاء في التوضيحات المرفقة أن 300 ألف إسرائيلي من الذين يقطنون خلف الخط الأخضر سيبقون في أماكنهم كان من الواضح أن أغلبية المستوطنين في الضفة وغزة سينقلون من هناك. كم عددهم؟ يجدر أن تعرف ذلك، إلا أن الوثيقة لم تذكر صراحة عدد المستوطنين الذين سيتم إخلاؤهم..

 

وثيقة جنيف تكشف النقاب عن أن إسرائيل ستوضع في كل ما يتعلق بمشكلة اللاجئين وغيرها من المسائل تحت إشراف ورقابة «مجموعة التنفيذ والصراع» والمندوبين الدوليين التي ستضم الأمم المتحدة وروسيا وأوروبا والدول العربية أيضا. إسرائيل لن تعود دولة مستقلة في الواقع في مسائل جوهرية وستتحول إلى دولة خاضعة للانتداب الدولي.

سبب عدم ذكرهم لذلك للجمهور واضح أيضا. من سيشتري من هؤلاء الأشخاص سيارة مستعملة؟ أنا لم أكن لأشتريها». (يديعوت أحرونوت 1/12) وبدوره فإن جلعاد شير (محامي عمل مديرا لديوان براك ومشرفا على المفاوضات مع الفلسطينيين) كان أدلى بدلوه في هذا الموضوع، بقوله:

 

 

«لا توجد مسألة واحدة في هذه الوثيقة يوجد فيها تحسّن حقيقي من ناحية إسرائيل بالمقارنة مع أفكار كلينتون أو مواقف إسرائيل في المفاوضات التي أجريت في كامب ديفيد وطابا. في كل مقياس مركزي تميل الوثيقة لصالح الفلسطينيين. الخروج عن مسار كلينتون صحيح أيضا بصدد تقسيم المساحة (100% في وثيقة جنيف مقابل 92 - 96% حسب كلينتون).

 

 

كما أن وثيقة جنيف لا تحصر تجسيد حق تقرير المصير الفلسطيني بالدولة الفلسطينية وإنما تحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب ذلك إلى ممثل شرعي وحيد لكل الفلسطينيين في العالم. كما أن وثيقة جنيف تتضمن تشكيل قوة متعددة الجنسيات ذات صلاحيات تنفيذ وسلطات بما فيها داخل إسرائيل نفسها بصورة ضمنية.

 

 

في مفاوضات طابا وفي التحفظات التي قدمها مشروع كلينتون، طالبت إسرائيل بفرض نظام خاص على كل البلدة القديمة في القدس من دون تقسيمها. كما اقترحت في المقابل فرض نظام سيادة متواز في الحرم. أما وثيقة جنيف فتنقل للفلسطينيين السيادة الكاملة على الحرم باستثناء حائط المبكى..

 

 

الوثيقة تتضمن اعترافا ضمنيا من قبل دولة إسرائيل بحق عودة اللاجئين لإسرائيل من خلال الارتكاز على قرار الأمم المتحدة 194. القضايا المركزية مثل عدد اللاجئين الذين سيدخلون لإسرائيل أو نسبة التعويضات التي يتوجب على إسرائيل أن تدفعها بقيت مفتوحة.

 

 

إحدى معضلات العملية السياسية تدور بين إقامة الدولة الفلسطينية قبل حل قضية القدس واللاجئين وبين السعي لاتفاقية دائمة تتم في إطارها إقامة دولة فلسطينية بعد الاتفاق على هذه القضايا. وثيقة جنيف تدير ظهرها لخريطة الطريق وتعود إلى هيكلية اوسلو.

 

 

إلا أن الاتفاق الذي سيوقع بعد إقامة الدولة الفلسطينية في المرحلة الثالثة من خريطة الطريق سيكون مغايرا في مضمونه للاتفاق الذي سيوقع قبل إقامتها.(هآرتس 30/11) طبعا ثمة معارضة أخرى لوثيقة جنيف تأتي من أوساط يسارية ـ سلامية، تنطلق من أن حل الدولتين لم يعد مناسبا للفلسطينيين والإسرائيليين، مع وجود المستوطنات والجدار الفاصل ومع الخلافات بشأن اللاجئين والقدس والحدود.

 

 

ولكن هذه المعارضة ترى بأن الحل العادل والأفضل للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني ينبغي أن يتأسس على الاندماج بدلا من الانفصال، وعلى قيام دولة «ثنائية القومية»، في إسرائيل/ فلسطين، دولة تحافظ على خصوصيات الشعبين وتضمن لهما التطور المشترك، والحقوق المتكافئة.

 

 

تلك عينة من وجهات النظر الإسرائيلية التي تبدو معتدلة، لمعرفة التعقيدات المحيطة بعملية التسوية الإسرائيلية ـ الفلسطينية، أما اليمين واليمين المتطرف فيرى في وثيقة «جنيف» مصيبة ويرى في المبادرين الإسرائيليين لها خونة.

انعكاسات وثيقة جنيف على الخارطة الحزبية الإسرائيلية

 

 

 

المشهد الخامس :جنيف والتشظي الاسرائيلي

 

 

بعيداً عن حالة الإثارة والمشاحنات السياسية التي أحدثتها وثيقة جنيف في الوضع الداخلي الفلسطيني، وعن حالة السجال السياسي الذي أوصل بعض أطرافه إلى تسمية هذه الوثيقة بالخيانة الوطنية، إلا أن القضية كانت بالمقابل تحمل ذات الانعكاسات والدلالات على الوضع الحزبي الإسرائيلي، بشكل فاق كل التخيلات والتصورات.

 

لدرجة أن كل فئة داخل التجمع الإسرائيلي، بدأت تفكر بمستقبل إسرائيل وما ستؤول إليه تلك النهايات المطروحة، وهذا ما عبرت عنه من خلال قادتها وممثليها، فمنهم من رأى بضرورة قيام دولتين، بينما ذهب بعضهم الآخر إلى القول علانية، بضرورة حشر الفلسطينيين في بانتستونات وكانتونات، فيما انتهت الأحزاب الدينية المتطرفة إلى القول بضرورة تطهير أرض إسرائيل من الفلسطينيين وترحيلهم إلى خارج إسرائيل، أي إلى شرم الشيخ المصرية.

 

لكن بمعزل عن ما ذهبت إليه هذه الأطراف، انطلاقاً من ردات فعلها الآنية غير المحسوبة، فقد بينت الوثيقة رغم السقطات الخطيرة على المستوى الفلسطيني، على مدى هشاشة التركيبة الإسرائيلية الداخلية، بعد سنوات الصراع المديدة من جهة، وما أحدثته انتفاضة الأقصى من جهة أخرى.

 

 

بحيث بدأنا نتلمس وبشكل واضح أن الخارطة الحزبية الإسرائيلية تحمل بين ظهرانيها خرائط حزبية قد لا تعد ولا تحصى من كثرة اتجاهاتها. فحزب العمل صاحب المبادرة الرئيسية، وثيقة جنيف، أظهر ثلاثة تكتلات عبر عنها بالشكلين الأفقي والعامودي، وهذا ما ظهر في مواقف قياداته التاريخية منها والكارزمية، فالاتجاه الذي يعبر عنه باراك هو الاتجاه الرافض رفضاً قاطعاً لهذه الوثيقة.

 

 

انطلاقاً من قناعته أن هذه الوثيقة إذا ما قيض لها النجاح، فستفتح المجال أمام دولة ثنائية القومية، وكأن لسان حاله يقول بأن مثل جنوب إفريقيا بدأ بالتحقق قبل الدخول في تفاصيل الأشياء، وأن هذه القناعة من وجهة نظره قد تبلورت بالوثيقة في نقاط التفاهم التي أبرمت بخصوص القدس ومستقبلها.

 

 

بينما رأت بعض شخصيات العمل، مثل متسناع، وابراهام بورغ وعوزي برعام وداليا رابين ورئيس الأركان السابق موشيه شاحاك ويولي تامير، بأن الساعة البيولوجية تدق بسرعة وتقترب من الوقت الذي تكون فيه أغلبية عربية بين نهر الأردن والبحر الأبيض، الأمر الذي سيقود إلى دولة ثنائية القومية يضمن المستقبل للعرب كأغلبية، وهذا يعني نهاية دولة إسرائيل كدولة يهودية وبالتالي سيؤدي هذا الأمر بشكل حتمي إلى هجرة جماعية يهودية من هذه الدولة ثنائية القومية، فالحل الأمثل لمواجهة مثل هذا الخطر الداهم بإقامة دولة فلسطينية شريطة التخلي عن حق عودة اللاجئين.

 

 

بهذا المعنى تكون إسرائيل قد تخلصت من هواجسها التاريخية المتجددة، لتأت وثيقة جنيف، من وجهة نظرهم، كمخرج حقيقي لمجموع هذه الأزمات والمآزق الخطيرة. وعلى ما يبدو أن مصطلح «الزمن ضدنا» المستخدم هذه الأيام في الجيش الإسرائيلي، من خلال وصفهم للمرحلة الراهنة في المعركة الدائرة مع الفلسطينيين وحالة المراوحة في المكان، هي نفسها التي دفعت هؤلاء بالوقوف لجانب وثيقة جنيف.

 

 

أي أن هؤلاء ومعهم قيادات أجهزة الموساد والشاباك مثل افرايم ليفي وابراهام شالوم وثلة من ضباط الاحتياط الذين يقدر عددهم ما بين 1520 ضابطاً برتبة عميد فما فوق وحتى الـ 27طياراً الذين رفضوا القيام بأعمال قتالية ضد المدنيين لم يكونوا بمعزل عن هذه القناعات أو التصورات السياسية. ولا يخفى الأمر على أحد، بأن استطلاع صحيفة هآرتس الذي فاجئ القوى السياسية في إسرائيل بكل ألوانها ومسمياتها الأيديولوجية والسياسية، والذي أظهر تأييد 31% من المستفتيين، بينما رأى حاييم أورن أحد أهم أقطاب وثيقة جنيف، بأنه إذا تواصل مثل هذا التأييد، فانهم ـ أي أصحاب خط الوثيقةـ يتطلعون إلى كسب تأ

 

 

وإذا ما حققوا هذا الهدف فإن تأييد مبادرة السلام ـ حسب وجهة نظره ـ يكون قد خرج عن اليسار المعروف وتغلغل في مناطق حزبي العمل وشينوي. أما الاتجاه الآخر، الثالث، الذي عبر عنه شيمون بيريز فهو كالعادة مؤيد بشكل باطني، ويتعامل مع مثل هذه القضايا المصيرية بحذر شديد، ولعل هذا التعامل غالباً ما يأتي من خلال حسابات شخصية، أو بالأحرى انتهازية، ينتظر حسم هذه القضية داخل الحزب، ومن ثم يركب الموجة ليكون صاحب هذا التوجه بعد عملية الحسم، بحثاً عن مكتسبات ومنافع.

 

 

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه الاتجاهات الثلاثة ليست اتجاهات نهائية، بل هي الاتجاهات المتبلورة في غمار السجال السياسي الدائر، أي أن ثمة اتجاهات أخرى تقع على تخوم هذه الاتجاهات، فمنها ما يدافع عن خط اليمين ومنها ما يقف بالوسط ومنها ما يرضى بدولة ثنائية القومية حتى، وخاصة بين أوساط بعض كبار السن والصحفيين، والمتبلورين يسارياً.

 

 

أما اليمين فحدث ولا حرج، فقد ظهرت الأزمات في صفوفه دفعة واحدة، على العكس تماماً من حزب العمل، الذي حمل بين ثناياه الكثير من الاتجاهات منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها عن ولادة اتفاقية أوسلو، وقد يكون حقاً اللافت، القنبلة التي أطلقها أيهود أولمرت، في ذكرى موت دافيد بن غوريون، بأنه «في المستقبل القريب سيتعين على زعماء الأمة أن يجمعوا كل القوى النفسية، كل حماسة الإيمان الصهيونية لديهم، كي يحسموا مستقبلنا في حل وسط مؤلم».

 

 

بل الغريب بالأمر، أنه ألقى كلمته بدلاً عن شارون الذي تغيب عن الحفل بسبب وضعه الصحي. والغريب أكثر أن صيغة الخطاب نسقت مع مكتب شارون بهدف نقل رسالة حل وسط واعتدال سياسي، في ظل التوازن السليم بين الأماني الوطنية وقيود القوة.

 

 

ولعل المثير أكثر مما تقدم، الاقتباس الحرفي الذي استخدمه أولمرت عن بن غوريون قوله «لنفترض أننا تمكنا بالطريق العسكري أن نحتل كل غربي أرض إسرائيل، وأنا واثق من ذلك، فماذا سيحصل عندها؟ نقيم دولة واحدة، غير أن هذه الدولة سترغب قي أن تكون ديموقراطية.

 

 

وستكون هناك انتخابات عامة، ونحن سنكون أقلية (....) عندما وقفت مسألة وحدة البلاد دون دولة يهودية، أو دولة يهودية دون وحدة البلاد، اخترنا الدولة اليهودية بدون وحدة البلاد». وقد استتبع هذا الخطاب بعد خمسة أيام بطرح خطة تتضمن إخلاء 50ألف مستوطن في عشرات المستوطنات في أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة، في حين امتنع عن ترجمة أقواله كلها، وكأن لسان حاله يقول، بأن وثيقة جنيف جاءت لتشكل مخرجاً لكل الأزمات وعلى كل المستويات وما على الليكود إلا الانصياع لهذه الوثيقة للحصول على ما يسمى من وجهة نظره على دولة يهودية على أقل تقدير، وهذا ما بشر به لحظة اقتباسه كلام بن غوريون باني الدولة الصهيونية في فلسطين.

 

 

هذه المواقف في خط اليمين المتشدد تعبر عن مدى الشروخ التي يعيشها، والتخبط، وقد تكون وثيقة جنيف جاءت لتظهر الأمراض إلى السطح المرئي والمكشوف، بعد أن كانت كالنار تحت الرماد في ظل الأزمات الخانقة المعاشة إسرائيلياً. هذه المواقف التي أعقبت وثيقة جنيف، وما تبعها من مواقف لقيادات اليمين مثل أولمرت، أدخلت شارون نفسه في دائرة الاتهام من قبل بعض رجالات اليمين المتطرف، حيث ذهب البعض باتهام شارون، بأنه أصلاً ليس من النواة الصلبة لليمين وأنه عمالي الفكر والهوى، وأن انتهازيته هي التي دفعته إلى صفوف الليكود.

 

 

لكن الحقيقة الدامغة، والتي لا يقدر أحد على تجاهلها أن اليمين يعيش حالة شارون وأن الكنغ اليميني أولمرت وجد وثيقة بيلين ليفضح عن الواقع اليميني المعاش الذي بات يفتقد بعد أكثر من ثلاثة سنوات لأي برنامج سياسي.

 

 

أما حزب شينوي فلم يكن في حال أحسن من شريكه، حزب الليكود، فقد بات يعيش ذات الحالة المزرية التي يعيشها رأس الليكود، وأن اثنين من قيادته في الصف الأول يباركون اتفاق جنيف، يحمل معنى واحداً لا ثاني له، بأن هذا الحزب يعيش على عتبة الانشقاق، وأن الأيام ستحمل الكثير من المفاجئات خاصة المتعلق منها بالبنى الحزبية الإسرائيلية، خاصة إذا ما علمنا أن يوسي بيلين وكثير من معه يفكرون في ظل الشعبية المتصاعدة .

 

 

الإعلان عن حزبهم الجديد، والذي لن يكون في أهدافه السياسية بعيداً عن حركة حقوق المواطن «ميرتس» خاصة وأن عضو الكنيست وأحد زعمائها ران كوهين كان شريكاً في صياغة الوثيقة. دون أن نغفل بطبيعة الحال موقف حركة السلام الآن التي تعتبر حركة جماهيرية ويتعاظم شأنها يوماً بعد يوم على حساب أزمات اليمين واليسار والوسط في آن معاً.

 

 

ختاماً يمكننا التنويه إلى أن مواقف الأحزاب الدينية الرافضة للخطة أو الوثيقة، لن تكون رافعة بقدر ما أصبحت عبئاً إضافياً على شارون وتحالفه بشكل عام، ولن تكون في الأيام المقبلة معزولة أو محصنة تنظيمياً عن المتغيرات البنيوية التي ستطال البنى الحزبية والسياسية داخل إسرائيل. وهنا يكمن السؤال، إذا كانت وثيقة غير ملزمة تفعل فعلها على هذا النحو داخل إسرائيل، فالسؤال ماذا لو انسحبت إسرائيل مما يسمى بمنطوقهم يهودا والسامرة؟

 

 

 

المشهد السادس :شهادة يوسي بيلين

 

 

أثبتنا أنه يمكن التوصل إلى إتفاق

 

 

هناك من يدعي أننا وقعنا الاتفاق باسم الحكومة الإسرائيلية، وهذا ناجم عن سوء فهم... 

 

 

أشعر بالرضى إزاء الاتفاق الذي تم التوصل إليه في الأردن، والذي يطلق عليه الاسم "اتفاق جنيف"، وأعتبره خطوة مكملة لدائرة المحادثات التي جرت في طابة، عندما شعرت آنذاك أنه يمكن إنهاء المفاوضات. (محادثات طابة جرت في الأيام الأخيرة لحكومة إيهود براك، وكان بيلين يترأس الجانب الإسرائيلي للمفاوضات، وياسر عبد ربة يترأس الجانب الفلسطيني – ArabYnet).

 

لقد تولى إيهود براك الحكم وهو مصر على إجراء المفاوضات، لكنه لم يعرف كيف يدير المفاوضات. واستغرقني الأمر ثلاث سنوات أخرى كي أثبت أنه يمكن التوصل إلى اتفاق. وبالنسبة لي، فإن السنوات الثلاث التي مضت، والتوقيع الاتفاق، أمس الأول، تشكل فعلاً اليوم الثامن لمحادثات طابة.

 

هناك من يدعي أننا وقعنا الاتفاق باسم الحكومة الإسرائيلية، وهذا ناجم عن سوء فهم. فلقد وقعنا في ختام المحادثات على رسالة موجهة إلى وزيرة الخارجية السويسرية التي قامت برعاية المحادثات. وأرفقنا رسالتنا بمسودة الوثيقة التي توصلنا إليها، كي تشكل نموذجاً يعتمده أصحاب القرار في المستقبل.

 

من يعتقد بأننا وقعنا الاتفاق باسم الحكومة الإسرائيلية، لا يفهم الأمر. لقد كان هدفي هو الإظهار بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق، لا ينطوي على حق العودة للاجئين، وأنه يمكن توفير حلول لكل القضايا العالقة، وبأن الفلسطينيين لا يتهربون من الحسم، وأنه يمكن جعلهم يوقعون على نموذج كهذا ويلتزمون به. بعد ثلاث سنوات من استنزاف الدماء المتبادل، يعتبر هذا الاتفاق أول دليل جدي على وجود جهات جدية لديهم يمكن التوصل معها إلى اتفاق.

 

قد يتم في المستقبل، التوصل إلى اتفاق يختلف عن التفاهمات التي توصلنا إليها. لكننا خضنا في أدق التفاصيل كي نثبت أنه يمكن الخوض في التفاصيل الدقيقة. كما أننا أردنا اثبات ذلك لرفاقي في معسكر السلام، الذين استسلموا، ويقود بعضهم باتجاه القيام بخطوات أحادية الجانب بادعاء أنه في غياب الشريك يجب القيام بخطوات احادية الجانب والتوصل إلى حلول بدون شريك. لقد اثبتنا لهؤلاء، أيضاً، أن الأشخاص الذين توصلنا إلى اتفاق معهم، ليسوا الوحيدين وأنه يمكن التوصل إلى تفاهمات معهم، رغم صعوبة الأمر.

 

يدهشني بشكل خاص، الهجوم الذي شنه علينا رئيس الحكومة السابق، إيهود براك. على مدار ثلاث سنوات يحاول براك الاثبات بأنه لم يكن هو من فشل في المفاوضات، وإنما لم يكن في الجانب الآخر من يمكن التحدث إليه. لكنه عندما إتضح وجود شريك، تم تكذيب نظريته، وهو يشعر الآن بالحاجة إلى الدفاع عنها. ورغم ذلك، لن أتوقف عن تقديري لبراك لكونه الشخص الشجاع الذي أخرج الجيش الاسرائيلي من لبنان ووضع أسس تقسيم القدس ونقل السيادة على الحرم القدسي ومبادلة الأراضي. لقد ساعدتنا هذه الأمور، بشكل كبير، على التوصل إلى الاتفاق.

 

أما انتقادات رئيس الحكومة، أريئيل شارون، لنا، فلا تفاجئني. فهي تثبت حالة الضغط الشديدة التي يواجهها. مع ذلك، أستصعب فهم الانتقاد الطائش. أنا على استعداد لتقبل الانتقاد، لكن التلميح إلى الخيانة وانعدام الاخلاص يبدوان لي بأنهما ينمان عن خوفه من وقوع زلزال. يبدو أنه يشعر بالوهن الشديد، إلى حد شعور حكومته بالخوف حتى من وثيقة غير رسمية

 

 

المشهد السابع : شهادة متسناع

في الوقت الذي يتواصل فيه "الجدل" داخل إسرائيل حول ما يسمى بـ "مبادرة جنيف" أو "تفاهمات سويسرا"، منذ أن أعلن عن التوصل إليها بين مجموعتين فلسطينية وإسرائيلية، نشر عمرام متسناع، عضو الكنيست عن حزب "العمل" ورئيس الحزب السابق وأحد أبرز  المشاركين الاسرائيليين في المبادرة، مقالاً في صحيفة "هآرتس"(16/10/2003) اعتبر فيه المبادرة "خطوة تفوق في أهميتها خطوة الاعلان عن إقامة الدولة (إسرائيل) في 1948" موضحاً ذلك بقوله :" إذا اختار رئيس الحكومة أن يطبّق مبادرة جنيف فسيتم تسجيله في صفحات التاريخ كمن أقام إسرائيل باعتبارها  دولة يهودية ودمقراطية  على أساس الاتفاق، في حين أن إقامة الدولة في 1948 كانت إجراءً أحادي الجانب لم يحظ إلا باعتراف دول قليلة في العالم".

الى ذلك أشار متسناع الى أن "مبادرة جنيف" تشفّ عن الأمور التالية :

الإثبات بأن ثمة شريكاً في الطرف الثاني (الفلسطيني) وثمة بديل عن سفك الدماء.

* الهجوم المذعور، من قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي اريئيل شارون ووزرائه، على حزب "العمل" والمعارضة والمبادرين الى الوثيقة يعكس خوفهم من السلام لأن ديدن رافضي السلام هؤلاء هو "التحريض والترويع والقتال" ولأن كثيرين سيفهمون الآن مبلغ الخداع الذي التجأوا اليه خلال السنوات الثلاث الفائتة.

* للمرة الأولى في التاريخ يعترف الفلسطينيون علانية وبصورة رسمية بدولة إسرائيل بوصفها دولة الشعب اليهودي الى الأبد. وقد تنازلوا عن حق العودة الى دولة إسرائيل، ما يضمن أغلبية يهودية ثابتة ومستقرة.

* يبقى حائط المبكى والحي اليهودي وبرج داود في أيدي إسرائيل، ويزال عن القدس الطوق الخانق، وتظل سلسلة المستوطنات المحيطة بها جزءاً من المدينة الكبرى الى الأبد. ولا يضطر أي من المستوطنين الى مغادرة بيته. وهذه السلسلة تشمل : غفعات زئيف، غفعون الجديدة والقديمة، معاليه أدوميم، غوش عتصيون، نفيه يعقوب، بسجات زئيف، التلة الفرنسية،راموت، غيلو وأرمون هنتسيف.

*  "مبادرة جنيف" هي بمثابة الولد الصغير الذي صاح بأن "الملك يمشي عارياً"، بمعنى أن الحكومة الاسرائيلية الحالية تقود شعبها نحو الانهيار المحتّم. وردود الفعل العربيدة، من جانب الحكومة على المبادرة، تثبت ذلك.

* "مبادرة جنيف" هي نموذج لحل (موديل) وليست وثيقة رسمية بين حكومات. وبكلمات أخرى فهي مشروع لتسوية دائمة مقبولة على الطرفين. وتكمن خصوصيتها، لدى مقايستها مع مبادرات أخرى، في أمرين : الأول أنها تؤشر الى نهاية النزاع والثاني أنها لا تبقي أية علامات استفهام، من حيث كونها قد أجملت جميع التفاصيل العالقة،بحيث لا يظل لأي طرف مطالب إضافية بعدها. وثمة أفضلية أخرى كامنة في حقيقة أن الطرف الفلسطيني تمثل من خلال قيادة فلسطينية أصيلة وواسعة، تحظى بتأييد وتغطية سواء من جانب قيادة السلطة الوطنية أو من جانب النشطاء الميدانيين المركزيين.

***

من ناحية أخرى  وفي إنتظار نشر النص الكامل لـ "مبادرة جنيف"، والذي سيتلو التوقيع عليها في موعد لم يحدد تمامًا بعد ولكن المرجّح أن يكون في النصف الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، تتزايد التكهنات والتسريبات حول بنودها المختلفة. ويمكن القول إن الاهتمام الأكبر استقطبه البند الخاص بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو البند رقم 7 الذي قال عكيفا إلدار، المعلق في "هآرتس"، إنه حصل عليه حرفياً، مشيراً الى أنه لا يتضمن تعبير "حق العودة"، كما أن إسرائيل لا تقرّ، في إطار التفاهمات التي تم التوصل إليها، بمسؤوليتها عن نشوء مشكلة اللاجئين (16/10/2003). ويتابع إلدار أنه في البند الأخير من الوثيقة "اتفق الطرفان على أن تتبنى الأمم المتحدة الوثيقة بأجزائها كافة وأن تقر قراراً خاصاً يستبدل ويلغي جميع القرارات السابقة لهذه المنظمة الدولية المتعلقة بالنزاع الاسرائيلي- الفلسطيني". وهكذا- يقول- يُلغى أيضاً قرار الجمعية العمومية رقم 194 القاضي بأن في مقدور اللاجئين المعنيين بالعودة الى إسرائيل أن يفعلوا  ذلك وأن اللاجئين غير المعنيين بذلك يكونون مستحقين لتعويضات.

وينوِّه هذا المعلق بتعقيب أدلت به البروفيسور روت لبيدوت، الخبيرة في القضاء الدولي والتي شغلت فيما مضى منصب المستشارة القضائية لوزارة الخارجية الاسرائيلية وكانت عضوة في طاقم التحكيم حول قضية طابا، وذلك بعد أن تفحصت صيغة تفاهمات جنيف، وبموجبه فان الوثيقة إياها "لا تدع أية ثغرة أمام  أي مطلب فلسطيني بعودة لاجئين الى إسرائيل، بقوة حق العودة".

وبحسب النص الكامل لهذا البند الذي نشرته "هآرتس" فان "الخيارات المتفق عليها" لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي الخيارات التالية :

* "الخياران 1-2: الانتقال الى دولة فلسطينية وإلى مناطق تنقل إليها من إسرائيل عبر تبادل المناطق. وهما خياران مفتوحان لكل لاجىء".

*  "الخيار 3 : هجرة الى دولة ثالثة - تكون خاضعة لاعتبارات كل واحدة من الدول التي ستستوعب اللاجئين ووفقاً لحد أعلى تتقدم به كل منها الى لجنة دولية تقام لهذا الغرض".

* "الخيار 4 : الانتقال الى إسرائيل - يكون خاضعاً للاعتبارات الحصرية لاسرائيل، طبقاً للعدد الذي تتقدم به الى اللجنة الدولية. وهذا العدد يمثل العدد الشامل للاجئين الذين تكون اسرائيل على استعداد لقبولهم. وكأساس لحساب ذلك تستعمل إسرائيل معدل الأرقام الشاملة التي تقدم الى اللجنة من قبل الدول الأخرى التي تعتبر طرفاً ثالثاًَ"(يؤكد إلدار أن الحدّ الأقصى لهذا العدد سيكون أدنى من  50 ألفاً).

* "الخيار 5: تأهيل في أماكن إقامة اللاجئين - وهو مفتوح لاعتبارات الدول المضيفة"(الأردن ولبنان وسورية).

بالاضافة الى ذلك ينص البند على أنه "يتعين على كل لاجىء أن يقدم خلال سنتين الى اللجنة قائمة الخيارات، حسب الأفضلية المتدرجة  التي يختارها، واللجنة هي التي تختار الأفضلية المناسبة. ويكون لكل لاجىء  الحق في الاستئناف على قرار اللجنة. غير أن اللاجىء الذي لا يقدم الطلب في الموعد المحدد أو لا يقبل قرار اللجنة يفقد مكانة اللاجىء. وتنتهي العملية كلها خلال خمس سنوات، وبذا تلغى وضعية اللجوء الفلسطينية إلغاء باتاً". وبذا تتوقف أيضاً أنشطة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدولية (الأونروا).

وتشدد البروفيسور  لبيدوت، في تحليلها لهذا البند، على أن حق العودة الفلسطيني غير وارد البتة في قرارات الأمم المتحدة المذكورة في تفاهمات جنيف. وتضيف أن قرار رقم 194 لا تشكل إعترافاً بحق العودة، على حد إدعائها. أكثر من ذلك - تتابع - فان هذه التفاهمات تقر بأن تطبيق البند الخاص باللاجئين سيعتبر "التطبيق النهائي لجميع قرارات الأمم المتحدة وبيان الجامعة العربية، وسيضع بصورة عملية حداً  للمطالب الفلسطينية حيال إسرائيل في هذا الشأن". ومن هنا فليست هناك، في رأي هذه الخبيرة، أية أهمية لانعدام  تصريح فلسطيني في هذه التفاهمات ينص على التنازل عن حق العودة، حيث أن مثل هذا التنازل هو مجرد تحصيل حاصل

 

 

 

المشهد الثامن :يورام كانيوك   شهادة  الكاتب

 

 

يتولى شارون السلطة بحكم الانتخابات الديموقراطية التي ضحى سقراط الحكيم بحياته في سبيل ما هو أقل منها بكثير. لكنه لا يمكنه توجيه الاتهامات إلى رجال بيلين، بعد أن أمضى ثلاث سنوات، تقريباً، دون القيام بأي عمل. فهو لم يفتح نافذة، ولم يفكك مستوطنة واحدة، وعاش منعزلاً داخل فقاعة معتقداً أنه يكفي غض النظر، لكن موفاز يعمل، من جهة أخرى. وباسمه، ينكلون بالأبرياء، يهدمون المنازل، يقتلون العزل في سبيل اعتقال بعض المسلحين. صحيح أنه تم اعتقال سيدة كانت تجر عربة أطفال، في سبيل منع وقوع عملية تفجيرية، لكن الحل لا يكمن في ايقاف طوابير من المسنين، وعلى مدار عدة ساعات، على حجارة حادة الرؤوس، ولا في الضرب والتعذيب ورفض السماح لمرأة حامل بالسفر إلى المستشفى.

 

لقد سقطت "تفاهمات جنيف" في لجة هذا الفراغ. لقد وقع إسرائيليون وفلسطينيون، يتحملون المسؤولية عما يؤمنون به، فقط، على وثيقة أخرى تحمل بارقة من الأمل، لكنها لا تملك أي فرصة، كونها لا تمثل المشاعر الحالية للشعبين – أحزانهم، كراهيتهم ومعاناتهم.

 

في عام 1988 شارك كاتب هذه السطور والأدباء إميل حبيبي ودالية رابيكوفيتش وناتان زاخ ودان كيدار وسميح القاسم وسهام داوود وأوري برنشطاين، وغيرهم، في لقاء عقد في رام الله، تم خلاله التوقيع على وثيقة سلام تم نشرها دوليًا. بل ذهبنا إلى أبعد من ذلك، واقترحنا أن تكون القدس مدينة واحدة غير مقسمة، وعاصمة لاسرائيل ولفلسطين معاً. وقد صادق عرفات ووافق على حل مسألة حق العودة، بشكل يشبه تقريباً، ما اقترحته عناصر وثيقة جنيف. إنه نص جيد لكنه لا يعني أي شيء. بعد ذلك جاءت اتفاقيات أوسلو، ثم جاء الانتحاريون، وجاء العقاب الرهيب.

 

منذ بداية الصراع اليهودي – العربي، في عام 1920، لم يتمكن العرب من تقبل حل إقامة دولتين، ولا يمكنهم تقبل ذلك حتى اليوم. أنا أصدق المتطرفين في اليمين واليسار أكثر مما أصدق الموقعين على وثيقة جنيف. في الجانب اليميني يريدون إقامة دولة على طراز جنوب افريقيا هنا، وأن يرجع الله إلى إنقاذنا من كل شر كما فعل دائماً. وفي الجانب الثاني، يريدون إقامة دولة جميع مواطنيها التي ستقضي، في نهاية الأمر، على الدولة اليهودية.

 

اليوم، وكما كان عليه الأمر في العام 1988، لا توجد حكومة فلسطينية ولا حكومة إسرائيلية يمكنها الموافقة على خطة سلام تعتمد على مبادئ جنيف. لو كان شارون زعيمًا لم يعزل نفسه، لكان قد جلس للتفاوض، ليس مع أبو هذا أو أبو ذاك، وإنما مع شخص واحد يعتبر زعيماً خطيرًا، لكنه لا يتزين بالكوفية والمسدس، يملك فكرًا حادًا ويعتبر عدوًا حكيمًا، كمروان البرغوثي. كان يمكن التوصل إلى إتفاق مرحلي معه سيمنحنا سنوات جيدة من الهدوء، سنوات سيسودها التوتر فعلاً، لكنها ستكون هادئة. فالسلام مسألة ليس بمقدور الله تحقيقها الآن.

 

سيمر الوقت، وسيحل الهدوء، لكن لن يعم السلام. سيحلم كل جانب بمجيئ "اتفاقية جنيف" أخرى، في يوم ما، مهما تأخر ذلك. وكالمنقذ، ستأتي متأخراً في وقت لن تعود هناك أي حاجة إليها.

(9) يوسي بيلين